الجاحظ

115

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

ساخط ، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب ، آمر فيها بالتواصل وأنهى فيها عن التقاطع ؟ قالوا : فخطب يوما إلى الليل فما أعاد فيها كلمة ولا معنى فقيل لأبي يعقوب : هلا اكتفى بالأمر بالتواصل عن النهي عن التقاطع ؟ أو ليس الأمر بالصه هو النهي عن القطيعة ؟ قال : أو ما علمت أن الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والكشف . قال : وسئل ابن المقفع عن قول عمر رحمه اللّه : « ما يتصعدني كلام كما تتصعدني خطبة النكاح » قال : ما أعرفه إلا أن يكون أراد قرب الوجوه من الوجوه ، ونظر الحداق من قرب في أجواف الحداق . ولأنه إذا كان جالسا معهم كانوا كأنهم نظراء وأكفاء ، فإذا علا المنبر صاروا سوقة ورعية . وقد ذهب ذاهبون إلى أن تأويل قول عمر يرجع إلى أن الخطيب لا يجد بدا من تزكية الخاطب ، فلعله كره أن يمدحه بما ليس فيه ، فيكون قد قال زورا وغرّ القوم من صاحبه . ولعمري إن هذا التأويل ليجوز إذا كان الخطيب موقوفا على الخطابة . فأما عمر بن الخطاب ، رحمه اللّه ، وأشباهه من الأئمة الراشدين ، فلم يكونوا ليتكلفوا ذلك إلا فيمن يستحق المدح . وروى أبو مخنف ، عن الحارث الأعور « 1 » ، قال : « واللّه لقد رأيت عليا وإنه ليخطب قاعدا كقائم ، ومحاربا كمسالم » . يريد بقوله : قاعدا ، خطبة النكاح . وقال الهيثم بن عديّ : لم تكن الخطباء تخطب قعودا إلا في خطبة النكاح . [ توشيح الخطب بآي القرآن والأشعار ] وكانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل ، وفي الكلام يوم الجمع آي من القرآن ، فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار والرقة ، وسلس الموقع .

--> ( 1 ) كان الحارث الأعور من رجال حرب صفين وأبو مخنف راوية أخباري كوفي مات نحو 170 ه